اغتصاب للسلطة صريح ……..أم حركة لتصحيح صحيح
كتبهاكاتب مبدع ، في 10 أغسطس 2008 الساعة: 14:22 م
استشرف الكثير من المراقبين السياسيين للمرحلة الماضية أن يكون النظام الديمقراطي يلفظ أنفاسه الأخيرة … لكن المؤكد أن الجميع صدموا بما حدث لكونه الانقلاب الأكثر وقاحة في التاريخ الموريتاني هذا فضلا عن شذوذه التام عن كل المساطر التي كان تجري عليها الانقلابات في البلد.
حمي الانقلابات
وأي انقلاب كان يجري كانت تتوافر معه ظروف معينة تبرر حدوثه قد يكون من بينها الحروب أو الديكتاتورية أو انسداد الأفق السياسي .
و حتى مع وفرة الظروف السياسية المبررة للانقلاب باعتباره تصحيحا للمسار وتعديلا له إلا أن الانقلابيين يحرصون علي تبرير إجراءاتهم وعلي تقديم الوعود الكثيرة بالإصلاح ….. وكل الانقلابات التي حدثت في البلد كان لها من الدوافع ما يبررها وكان يِؤمل من ورائها ما يكفل لها التجاوب والتعاطي معها من قبل الشعب وكلها كانت إنعتاقا من وطأة نظام يجثو علي عاتق الشعب ويعرقل من حركته .
ومنذ اللجنة العسكرية للخلاص الوطني إلي المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية كان العسكر يضعون خطة واضحة ومبرمجة للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة التي تحصرها فيها الأنظمة الأحادية والشمولية ……….فيضعوا مسارا واضحا لإيجاد حلول واقعية لمشاكل البلاد سواء منها السياسي أو المعيشي ولربما أن هذا هو سر الإجماع التي كانت تحظي به هذه الانقلابات العسكرية .
وكل الانقلابات التي حدثت تمخض عنها نظام سياسي قوي وقادر علي تقديم الكثير للبلد وعلي المساعدة في بناءه وتطويره .
وهذا ما جعل الموريتانيين ينظرون إلي الانقلاب بوصفه المخرج من الأزمات السياسية التي قد تعصف بالبلد خاصة وأن هذه الانقلابات لا ينتج عنها سفك للدماء ولا عداوات داخلية .
وقد يكونوا علي حق في نظرة أكثر لطفا علي واقع الانقلابات في البلد لكن
هذه النظرة لا تنسحب علي كل الانقلابات فمن بينها ما يعتبر ردة وكارثة سياسية لا تقدر عواقبها .
وفي هذا الإطار يندرج هذا الانقلاب الأخير الذي خالف كل المعايير والاعتبارات التي كانت تبرر الانقلاب وذالك في عدة نقاط :
أولها :أنه انقلاب علي رئيس جاءت به صناديق الاقتراع في عملية انتخابية اعتبرت نموذجا في الشفافية .
والثاني : أن الأوضاع السياسية في البلد لم تكن تبرر من أي وجه ما حدث فبافتراض أن هناك أزمة سياسية في البلد فالحكم فيها هو الشعب .
و الثالث : عدم امتلاك قادة الانقلاب لأي خطة أو مسار لقيادة البلاد .
سيدي : هذا ما جناه علي العسكر وما جنيت علي أحد
أكد ولد الشيخ عبد الله أكثر من مرة أنه دخل الانتخابات وهو رجل مجهول سياسيا ولكن العسكر دعموه و ظلوا يمنون عليه هذا الدعم حتى أسقطوه بجريرته … ولكن العسكر عندما اختاروه من بين 19 عشر مرشحا كانوا علي دراية بما يقومون به فهم يرون أنه سيكون أكثر المرشحين ليونة ولن يمكنه تقدمه في السن من فرض وصايته علي العسكر الذي ينظرون إلي الرئيس المثالي لديهم إلي أنه دمية يحركونها كيف ما شاءوا .
لكن سيدي مل من مطاوعة العسكر وملوا من مداهنته حتى انفرط العقد شيئا فشيئا وأصبح لزاما علي الطرفين إيجاد طريقة جديدة لتحكم علاقتهما…. فكان الرئيس أكثر ليونة وأغدق علي العسكر عبارات الثناء والشكر وجدد ثقته فيهم … لكن هذا لم يفلح في تضميد الجراح فلم يكن هناك بد من الاصطدام المباشر .
سيناريو الانقلاب
عندما أدرك العسكر أن الرئيس لن يسير وفق الطريق الذي رسموه له وضعوا خطة لإجباره علي الاستقالة تندرج في إطارها الأزمة المفتعلة بين البرلمان والحكومة … وعندما أكد الرئيس نيته عدم التخلي عن سدة الحكم … بدأ العسكر في مضايقته مباشرة فتمت مراقبة جميع اتصالاته وهددت حرمه بالمحاكمة و أجبر علي عدم الخروج من القصر بعيد مجيئه من اسبانيا ورغم أنه حاول تهدئة الأمور والبحث عن حلول ودية للأزمة فحاول كسب ود العسكر وأثني عليهم وجدد ثقته فيهم ……إلا أن هؤلاء لم يتراجعوا عن موقفهم قيد أنملة .
لكن استمرار الحصار المطبق علي الرئيس جعل خياراته تتضاءل حتى لم يعد له من خيار إلا إقالة الجنرالان ولكن حتى هذه الإقالة واجهت مشاكل كبيرة فاضطر الرئيس إلي تمريرها خفية إلي الإذاعة الوطنية ومع ذالك لم يكن متأكدا أن هذه الأخيرة ستقوم بإذاعتها ما جعله يضع أمامه جهاز الراديو عند بث البيان وهذا ما كان آخر قرار يتخذه الرئيس المنتخب ديمقراطيا .
وفي قمة الغضب والتعنت قام العقيد الذي رقاه الرئيس إلي جنرال ….قام هذا الجنرال بردة فعل علي قرار الرئيس بتنحيته وقام بأحمق خطوة عرفها التاريخ الموريتاني …. وهي اعتقال رئيس منتخب ديمقراطي .
و توالت الأحداث و أعلن انقلاب رسمي علي السلطة الديمقراطية .
بعيد الانقلاب
أعلن قيام مجلس للدولة وجاء موسم الافتراء الحقيقي فأخرجت الأصوات والأقلام الرخيصة من مزبلة التاريخ لترجع بالبلاد عشرات السنين إلي الوراء……لتقف الإذاعة والتلفزيون مطبلين ومهللين لانقلاب لا يبرره حتى من قام بها سوي بأنه ردة فعل جنرال متهور علي إقالته من منصبه …. رجعت البلاد إلي مرحلة ماضية ما كان يتوقع أحد أن ترجع لها بعد أن قطعت كل هذه الخطوات نحو الأمام …… لكن سدنة النظام الطائعي ومنافقيه كانوا أسرع من لمح البصر فوقفوا علي ديدنهم القديم مرحبين ومهللين واختلقوا لهذا الانقلاب الأجوف تبريرات ودوافع لن يستطيع الجني الأزرق أن يتوصل لها …. عاد إذا نظام العسكر إلي البلاد ولكنه ليس عسكر 2005 بل عسكر 78 …. ورجعت معه البلاد كل هذا الزمن …… لتفتقد كل المؤسسات الدستورية شرعيتها وكأن عداد الديمقراطية في البلد بدأ للتو .
جاء الانقلاب في فترة كانت البلاد تحتل فيها مكانة عالمية وإقليمية لا سابق لها ………..وهذا ما سيساعد في إدرار الدعم الدولي علي البلد الفقير عسي أن يساهم في التنمية ومكافحة الفقر .
رجعت البلاد إلي سابق عهدها ….. من مغالطة المؤسسات الدولية ومن انعدام المصداقية والشفافية ……….. وباتت حصيلة المسلسل الانتقالي في مهب الريح .
امتصاص الصدمة
امتص المواطنون هذه الصدمة المدوية لكن أي مواطن مخلص لبلده ووطنه سيقف ضد هذا الانقلاب الآثم وليس من الضروري أن يكون وراء وقوفه هذا مساندة للرئيس سيدي ولكنها مساندة وغيرة علي المشروع الديمقراطي الوليد الذي هو حصيلة 30 سنة من المعاناة تحت حكم العسكر ونير الانقلابات .
وشعر كل مواطن بالدهشة والاستغراب لهذا الأسلوب التعسفي والغريب في نزع السلطة بالقوة وتساءل المواطنون :
تري كيف تهاوت فجأة كل قيم الديمقراطية والعدالة التي كان يتشدق بها العسكر ذاتهم ؟ وكيف نكصوا علي أعقابهم؟ وراحت البلاد كلها ضحية ردة فعل طائشة من جنرال متهور …….. تري ماذا سنقول الأجيال القادمة عن ديمقراطية يرسم العسكر أدق تفاصيلها ؟
و لكن التاريخ سيسجل إلي الأبد أن هذا هو أتعس انقلاب شهدته الكرة الأرضية ………. فهو ليس انقلابا ضد نظام ديكتاتوري وليس ضد رجل متغطرس ومغتصب للسلطة بل علي العكس تماما …….. هو انقلاب علي الديمقراطية وعلي العدالة وعلي رئيس منتخب تكفل له كل القوانين الدولية والوطنية إكمال مأموريته السياسية .
ثم أن العسكر هم من اختلق كل الأزمات وصنعها وحرك حفنة من البرلمانيين الطامعين والمعروفين بتاريخهم الأسود في فترة ولد الطايع ..حرك هؤلاء ليقفوا حجر عثرة أمام برامج الرئيس وخططه .
السيناريو القادم
لكن مصير هذا الانقلاب هو الفشل التام نظرا لفقدانه الاحتضان الداخلي والدعم الدولي وذالك لكونه اغتصاب صريح للسلطة بالقوة بدون أي مبررات منطقية …….. و لخلو جعبة صاحبه من أي خطة لإدارة البلاد ……. وبالتالي فمحكوم عليه بفقدان الشرعية والتأييد وسينحسر الدعم المبدئي الذي لقيه الانقلاب من بعض السياسيين وذالك مع اتضاح العشوائية التي تحكم تسيير البلد الآن …………وحينها سيضطر العسكر إلي القيام بإحدى خطوتين لا ثالث لهما :إما الانقياد لرغبة الشعب وضغط الدول العظمي والرجوع إلي المسلسل الديمقراطي وتنظيم انتخابات رئاسية سيترشحون لها …….. وستكون هذه الخطوة من باب مكره أخاك لا بطل .
وإما أن يصم الجنرال ولد عبد العزيز آذانه كما يفعل الآن ويمضي بالدولة قدما إلي مستقبل لا يدري هو إلي أين ترسوا سفينته وستظل الدولة من الآن إلي ذالك الحين علي كف عفريت .
الجيش أسد علي وفي الحروب نعامة
أكثر ما يثير الزوابع في موريتانيا هو الجيش مع أنه أضعف الجيوش الإقليمية وأقلها عدة وعتادا ومع أن هزائمه المتكررة كثيرة إلا أنه يأبي إلا أن يسلط ما لديه من قوة في وجه الشعب الذي تمزقه المجاعة والفقر .
فقد كان الجيش خائر القوة وضعيفا عندما حاولت الدولة أن تسترد جزءا من ترابها نزع بالقوة وذالك في حرب الصحراء ولكنه كان باسلا في تقتيل وتعذيب المدنيين الزنوج 87 وكان باسلا في الانقلاب علي ولد داداه وفي الانقلاب علي نفسه بعيد ذالك عدة مرات .
وكان صيدا سهلا لجماعة بلعور 2005 لكنه كان باسلا في الانقلاب علي النظام الديمقراطي_ شكلا علي الأقل_ ومع أن هذا الانقلاب كان فريدا من نوعه إلا أن العسكر قد استحلي الانقلابات وفتحت شهيته للانقلاب علي السلطة حتى ولم يكن هناك وجه حق لذالك .
وكأن الجيش يحقق المقولة الحسانية القديمة ( الناس تغلبني و آن نغلب أم عيالي ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























